8 الشرعنة تحت التدقيق الشديد :تحليل خطاب نقدي لخطاب نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة لعام 2024

Ibrahim M. Alsemeiri; Duaa M. Elsemeiri; Ciarán O. Carroll; et Yousef M. Aljamal

المقدمة

يُعد التحليل النقدي للخطاب (CDA) أداة قوية لدراسة دور اللغة في تشكيل التصورات وردود الفعل ضمن سياقات مناطق الحروب والأزمات السياسية (Nawaz et al. 2024).

وقد أسهم في تطويره علماء مثل Teun Van Dijk ، Norman Fairclough و Ruth Wodak (Ammoussou and Allagbe 2018, 11-18) حيث يستكشف التحليل النقدي للخطاب كيف أن الخطاب لا يعكس الواقع فحسب، بل يبني ويُكرّس أيضًا ديناميات السلطة والأيديولوجيات. في حالات الصراع، غالبًا ما يستخدم القادة السياسيون ووسائل الإعلام والمؤسسات لغة استراتيجية لتشكيل الرأي العام، أو لإضفاء الشرعية على الإجراءات العسكرية، أو لنزع الشرعية عن الخصوم (Amrani et al. 2024). يهدف التحليل النقدي للخطاب إلى كشف هذه النوايا الخفية من خلال تحليل عناصر مثل اختيار الكلمات، والإطار المفهومي، والاستعارات، والهياكل السردية. على سبيل المثال، في الخطاب المتعلق بالحرب، يمكن أن تؤثر مصطلحات مثل « مقاتلو الحرية » مقابل « الإرهابيون » تأثيرًا كبيرًا على تصورات الجمهور، حيث تُصوَّر مجموعة على أنها ذات مبرر أخلاقي، بينما تصوَّر الأخرى على أنها شريرة بطبيعتها (Jamel et al. 2024, 21-32).

في الأزمات السياسية، يوفّر التحليل النقدي للخطاب رؤى معمّقة حول كيفية استخدام اللغة لتعزيز السلطة، وتبرير السياسات المثيرة للجدل، أو حشد الدعم، وغالبًا ما يتم ذلك من خلال خلق ثنائيات متقابلة تُبسّط قضايا معقّدة (Al-Khawaldeh et al. 2024, 17-34).من خلال فحص الكيفية التي تشكّل بها اللغة فهمنا للحرب والأزمات، يكشف التحليل النقدي للخطاب الآليات التي يمكن للخطاب من خلالها التأثير في الاستجابات الدولية، وإضفاء الشرعية على التدخلات، أو تهميش جماعات معيّنة. ويؤكد هذا المنهج في نهاية المطاف الدور المحوري للغة في بناء الوقائع الاجتماعية داخل مناطق النزاع، وفي تشكيل ردود الفعل العامة تجاه الأزمات السياسية. كما يكشف عن القوى الأيديولوجية التي تقود السياسات والأفعال في هذه السياقات عالية المخاطر. (Alashqar 2024)

يشكّل تقاطع الخطاب السياسي مع الأزمات الدولية تحديات فريدة أمام تحليل الخطاب، لا سيّما عندما يُضطر القادة إلى الحفاظ على شرعيتهم في ظل اتهامات خطيرة بانتهاك القانون الدولي (Bianchi 2015). تتناول هذه الدراسة تحليل خطاب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة لعام 2024، والذي أُلقي في فترة غير مسبوقة من التدقيق الدولي المكثّف، عقب اتهامات بارتكاب إبادة جماعية في غزة، وتدمير البنية التحتية المدنية، وتزايد أعداد الضحايا المدنيين لتتجاوز 43 ألف قتيل، من بينهم 10 آلاف ما زالوا تحت الأنقاض (Walsh and Abu Elouf 2024).

وأفادت مجلة لانسيت الطبية، وهي إحدى أبرز المجلات الطبية العالمية، بأن عدد الأشخاص الذين فقدوا حياتهم تجاوز 186 ألفًا، بما في ذلك من لقوا حتفهم بشكل مباشر أو غير مباشر (Khatib et al. 2024, 237-238). ويُظهر خطاب نتنياهو كيف يتعامل القادة السياسيون مع ما يصفه (2010) Fairclough بوصفه مطالب متنافسة للشرعية، إذ يخاطبون في آنٍ واحد الجمهور المحلي، والهيئات القانونية الدولية، والرأي العام العالمي، وذلك من خلال توظيف ثنائية محورية تقوم على منطق » نحن مقابل هم ».

خلّفت حرب غزة عواقب إنسانية مدمّرة على السكان، تاركة أثرًا لا يُمحى في حياة المدنيين. فقد أدّت الغارات الجوية المتواصلة، والتوغلات البرية، والحصار المفروض إلى دمار واسع طال المنازل، والمدارس، والمستشفيات، والبنى التحتية الحيوية (Aljamal 2024, 120-124) وأسفرت العمليات العسكرية الإسرائيلية عن مقتل آلاف الأشخاص، كانت الغالبية العظمى من الضحايا من النساء والأطفال. ولا تُعد هذه الأفعال حديثة العهد، بل هي مستمرة منذ عام 1948، حيث يجري استهداف المدنيين بشكل منهجي، بمن فيهم النساء والأطفال. ويقوّض هذا العنف الممتد قدرة المدنيين، ولا سيما النساء، على الإسهام في بناء مستقبل سلمي ومزدهر. (Al-Bal’awi 2023) وقد تحوّلت أحياء بأكملها إلى أنقاض، مما أدى إلى تهجير مئات الآلاف من السكان وخلق أزمة إنسانية خانقة. وإلى جانب الدمار المادي، يتعرّض سكان غزة لعقاب جماعي، وهي ممارسة تمثل انتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان والقانون الدولي. إن الاستهداف المتعمّد للمدنيين، إلى جانب القيود التي يفرضها الحصار على الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء، والمياه النظيفة، والإمدادات الطبية، قد أوجد ظروفًا تتنافى مع مبادئ الإنسانية والعدالة. ولا تتعارض هذه الممارسات مع الإطار القانوني الدولي الذي أُرسِي بعد الحرب العالمية الثانية فحسب، بل تهدد أيضًا بتفكيك النظام العالمي، بما قد يؤدي إلى انحدار العالم نحو حالة من الفوضى يسود فيها منطق القوة، حيث يفترس الأقوياء الضعفاء دون اعتبار للأخلاق أو للحقوق الأساسية للإنسان. أما الأثر النفسي الواقع على سكان غزة، ولا سيما الأطفال، فهو بالغ العمق، إذ يعاني كثير منهم من اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) ومن مشكلات نفسية أخرى جسيمة(Alali 2024).

اتّسمت الاستجابة الدولية لحرب غزة بطابع متعدد الابعاد، إلا أنها تعرّضت لانتقادات واسعة لكونها غير كافية وغير فعّالة في التعامل مع جسامة الأزمة الإنسانية. فعلى الرغم من إصدار دول ومنظمات مختلفة بيانات تُدين العنف وتدعو إلى وقف إطلاق النار، فإن هذه التحركات لم ترقَ إلى مستوى التدخل الحقيقي والمؤثّر. وقد واصلت الولايات المتحدة، بما تملكه من نفوذ سياسي ودبلوماسي كبير، حماية إسرائيل داخل المحافل الدولية، مما قوّض الجهود العالمية الرامية إلى محاسبتها على أفعالها. ورغم التقارير المتكررة عن سقوط ضحايا مدنيين، بما في ذلك مقتل أطفال أبرياء، وقف العالم إلى حدٍّ كبير موقف المتفرّج، بينما تتكشف واحدة من أعظم المآسي الإنسانية في القرن الحادي والعشرين.

كما أن السيطرة الصارمة التي تفرضها إسرائيل على إيصال المساعدات، إلى جانب حالة التقاعس الدولي، تركت ملايين السكان في غزة محرومين من الوصول إلى الموارد الحيوية. ويعكس هذا الردّ العالمي الضعيف فشلًا أخلاقيًا في وقف سفك الدماء وحماية الفئات الأكثر ضعفًا، ولا سيما الأطفال، من أهوال الحرب(Alali 2024).

وانطلاقًا من ذلك، تهدف هذه الورقة إلى الكشف عن التطوّر المعقّد لاستراتيجيات إضفاء الشرعية، ولا سيما ضمن ما يصفه (2015) Bianchi بـ «تهجين الخطاب القانوني–السياسي». ويُظهر الخطاب كيف يمكن للخطاب السياسي أن يحتفظ بفاعليته وتأثيره رغم الكمّ الهائل من الأدلة الوثائقية التي تثبت سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين والدمار الواسع الذي طال البنية التحتية. وتثير هذه الدينامية تساؤلات نقدية حول العلاقة بين البلاغة السياسية والمساءلة على الساحة الدولية. وأخيرًا، تبحث هذه الدراسة في الكيفية التي يُسهم بها خطاب نتنياهو في تشكيل التصورات، والتأثير في الرؤى العالمية تجاه الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وربما إضفاء الشرعية على أفعال كان من الممكن أن تكون محلّ اعتراض ومساءلة في المحافل الدولية.

إشكالية البحث

تلعب اللغة والبلاغة التي يستخدمها القادة السياسيون في المحافل الدولية دورًا محوريًا في تشكيل الرأي العام وإضفاء الشرعية على السياسات، ولا سيما في المناطق التي تشهد صراعات مستمرة. ويُجسّد خطاب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة لعام 2024 هذا الدور بوضوح، من خلال تأطيره للاحتلال الإسرائيلي لفلسطين ضمن ثنائية حادّة تقوم على منطق «نحن مقابل هم. « تبحث هذه الدراسة في كيفية توظيف نتنياهو لاختياراته المعجمية، والاستعارات، والثنائيات التقابلية في خطابه من أجل تقديم إسرائيل وحلفائها بوصفهم حماة للديمقراطية والسلام، في مقابل تصوير الجماعات الفلسطينية وحلفائها كرموز للإرهاب والتخلّف. وقد يسهم هذا التأطير الثنائي في التأثير على الرأي العام الدولي، وربما تبرير سياسات مثيرة للجدل، بما ينعكس على السردية السائدة حول الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين. إن فهم آليات هذه البلاغة وتداعياتها يُعد أمرًا بالغ الأهمية لتحليل الكيفية التي تشكّل بها اللغة السرديات الجيوسياسية والخطاب العام المتعلق بالصراعات المعقّدة.

على الرغم من وجود كمٍّ واسع من الدراسات حول تحليل الخطاب السياسي والتواصل في أوقات الأزمات، لا تزال هناك فجوة بحثية واضحة في فهم الكيفية التي يحافظ بها القادة على شرعيتهم في ظل مواجهتهم لتحديات متزامنة ومتعدّدة، تشمل العمليات العسكرية الجارية، والإجراءات القانونية الدولية، والاتهامات المرتبطة بالأزمات الإنسانية. وتسعى هذه الدراسة إلى سدّ هذه الفجوة من خلال تحليل كيفية تداخل هذه العناصر داخل خطاب واحد عالي المخاطر، أُلقي في فترة غير مسبوقة من التدقيق الدولي المكثّف.

أسئلة البحث

  1. كيف يُسهم توظيف نتنياهو للثنائيات التقابلية في إضفاء الشرعية على الأفعال الإسرائيلية وتهميش المنظور الفلسطيني في خطابه أمام الأمم المتحدة؟

  2. بأي طرق تعمل الاختيارات المعجمية والاستعارات التي يستخدمها نتنياهو على تصوير إسرائيل بوصفها رمزًا للحضارة، في حين يُقدَّم خصومها على أنهم تهديدات وجودية للسلم العالمي؟ 

مراجعة الأدبيات

برز التحليل النقدي للخطاب (CDA) بوصفه إطارًا تحليليًا أساسيًا لفحص الكيفية التي تُشكِّل بها اللغة علاقات السلطة وتُعيد إنتاجها، ولا سيما في سياقات الأزمات السياسية والصراعات. وتستند الأسس النظرية لتحليل الخطاب السياسي في حالات الأزمات إلى عدد من التقاليد والمقاربات الأكاديمية الرئيسة التي تُسهم في فهم الكيفية التي يحافظ بها القادة السياسيون على شرعيتهم في فترات التدقيق الدولي المكثّف. 

الأسس النظرية للتحليل النقدي للخطاب في الأزمات السياسية 

يوفّر العمل التأسيسي لدى (2010) Fairclough إطارًا شاملًا لفهم كيفية اشتغال الخطاب داخل السياقات الاجتماعية والسياسية، مؤكّدًا أن اختيارات اللغة لا تعكس علاقات القوة فحسب، بل تُسهم بفاعلية في ترسيخها وتعزيزها. وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة عند تحليل الكيفية التي يحافظ بها القادة السياسيون على شرعيتهم في أوقات الأزمات. وانطلاقًا من هذا الأساس، يقدّم (466-485, 2015) Van Dijk البعد الاجتماعي–المعرفي لتحليل الخطاب، مبرزًا دور النماذج الذهنية والمعتقدات المشتركة في التأثير على كلٍّ من إنتاج الخطاب السياسي وتلقيه، ولا سيما في سياقات الصراع الدولي.

أسهم Van Leeuwen إسهامًا كبيرًا في تطوير تحليل استراتيجيات إضفاء الشرعية في الخطاب السياسي (Van Leeuwen 2008)، إذ يوضّح كيف تُستخدم الاختيارات اللغوية لتبرير الأفعال والسياسات، ولا سيما في السياقات المثيرة للجدل. وتكتسب هذه الإطار التحليلي أهمية خاصة عند دراسة الكيفية التي يتعامل بها القادة السياسيون مع الانتقادات الدولية مع الحفاظ في الوقت ذاته على الدعم الداخلي. كما يوسّع Wodakو(2015) Meyer  هذا الفهم من خلال التأكيد على دور العوامل التاريخية والسياقية في تشكيل استراتيجيات الخطاب، لا سيما في حالات الصراع السياسي التي تفرض على القادة مخاطبة جماهير متعدّدة في آنٍ واحد.

الثنائيات التقابلية والخطاب السياسي

تناول (2014) Charteris-Black على نطاق واسع مسألة بناء الثنائيات التقابلية في الخطاب السياسي، مبيّنًا كيف يمكن توظيف اللغة الاستعارية لخلق الانقسامات الأيديولوجية وتعزيزها. ويكشف عمله كيف يستخدم القادة السياسيون اللغة بشكل استراتيجي لبناء تمايزات واضحة بين «الجماعة الداخلية» و«الجماعة الخارجية»، ولا سيما في أوقات الصراع. وتُعد هذه الرؤية ضرورية لفهم الكيفية التي يؤطّر بها القادة السياسيون النزاعات ضمن منطق «نحن مقابل هم». وتبني (Wodak and Meyer 2015) Wodakعلى هذا الطرح من خلال تحليلها لكيفية اعتماد الخطاب السياسي اليميني في كثير من الأحيان على مثل هذه البنى الثنائية لإضفاء الشرعية على سياسات مثيرة للجدل وتهميش المعارضة، وهو نمط يتجلّى بوضوح خاص في سياقات التواصل أثناء الأزمات. 

استراتيجيات إضفاء الشرعية في المحافل الدولية 

في سياق المحافل الدولية، يواجه القادة السياسيون تحديات متزايدة التعقيد تتعلق بإضفاء الشرعية على سياساتهم وأفعالهم. ويتناول (2011) Charteris-Black دور الاستعارة بوصفها أداة فعّالة للإقناع السياسي، ولا سيما عندما يحتاج القادة إلى تبرير أفعال مثيرة للجدل أمام جماهير متعدّدة في الوقت نفسه. ويُظهر تحليله كيف يمكن للاستعارات المنتقاة بعناية أن تُسهم في تجاوز الانقسامات الثقافية والأيديولوجية، مع تعزيز السرديات السياسية المرغوبة. ويتكامل هذا الطرح مع التحليل التفصيلي الذي يقدّمه (2008) Van Leeuwen لاستراتيجيات إضفاء الشرعية في الخطاب والتواصل، حيث يوفّر إطارًا تحليليًا لفهم الكيفية التي يحافظ بها الفاعلون السياسيون على سلطتهم ونفوذهم في ظل التدقيق الدولي.

التواصل في الأزمات والقانون الدولي 

يطرح تقاطع الخطاب السياسي مع القانون الدولي تحديات خاصة أمام تحليل الخطاب. ويبحث (2015) Bianchi في الكيفية التي يتعامل بها القادة السياسيون مع العلاقة المعقّدة بين البلاغة السياسية والأطر القانونية الدولية، ولا سيما عند مواجهة اتهامات بانتهاك القانون الدولي. ويُبرز عمله كيف تتكيّف استراتيجيات الخطاب من أجل الحفاظ على الشرعية السياسية، مع الاستجابة في الوقت ذاته للتحديات القانونية داخل المحافل الدولية. تكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة عند تحليل الخطابات التي تُلقى في الأمم المتحدة، حيث يُضطر القادة إلى الموازنة بين المصالح السياسية الداخلية والالتزامات القانونية الدولية.

التطورات المعاصرة في الخطاب السياسي

قدّم كل من (471-484, 2017) Wodak and Krzyżanowski في السنوات الأخيرة مساهمات مهمة في فهم كيفية عمل الخطاب السياسي في سياقات دولية متزايدة الاستقطاب. ويُوفّر تحليلهم للخطاب الشعبوي اليميني رؤى قيّمة حول كيفية بناء القادة السياسيين لسرديات تقاوم التحديات الواقعية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على دعم قواعدهم الشعبية. ويكشف التحليل الذي أجراه (2003) Chilton حول الاستخدام الاستراتيجي للاستعارة في الخطاب السياسي كيف يمكن لاختيارات اللغة أن تؤطّر النزاعات بطرق تتوافق مع سرديات ثقافية وتاريخية أعمق، لا سيما في حالات الأزمات الدولية.

وتُظهر الدراسات الأدبية تداخلاً معقدًا بين استراتيجيات الخطاب، وتقنيات إضفاء الشرعية، وبنيات الثنائيات التقابلية في سياق التواصل أثناء الأزمات السياسية. وعلى الرغم من أن علماء مثل Van Dijk،FaircloughوWodak وضعوا أطرًا قوية لتحليل الخطاب السياسي، إلا أنه لا يزال هناك حاجة لفهم كيفية عمل هذه العناصر معًا في مواقف غير مسبوقة تجمع بين التحديات العسكرية والقانونية والإنسانية في الوقت ذاته. ويُوفّر السياق الفريد لخطاب نتنياهو أمام الأمم المتحدة عام 2024–الذي أُلقي أثناء نزاع مسلح، وإجراءات قانونية دولية، واتهامات غير مسبوقة بسقوط ضحايا مدنيين–فرصة لدراسة كيفية تكيف استراتيجيات الخطاب التقليدية للحفاظ على الشرعية في ظل التدقيق الشديد.

وانطلاقًا من هذه الأسس النظرية، لا سيما أعمال (2008) Van Leeuwen حول إضفاء الشرعية وتحليل (2011) Charteris-Black للاستعارات في الخطاب السياسي، تعتمد هذه الدراسة منهجية تبحث بشكل محدد في الآليات اللغوية المستخدمة لبناء والحفاظ على الشرعية في حالات الأزمات. وتستعرض فقرة المنهجية التالية كيفية تحليل خطاب نتنياهو بشكل منهجي من خلال عدسة التشكيل المعجمي والاستعارات، موفرة رؤى حول تطور استراتيجيات الخطاب السياسي في سياقات الأزمات الدولية المعاصرة.

الإطار التحليلي 

تعتمد هذه الورقة على المنهج الاجتماعي–المعرفي لفان دايك ضمن التحليل النقدي للخطاب (CDA)، الذي يدمج علم النفس المعرفي مع تحليل الخطاب لاستكشاف كيفية قيام اللغة ببناء وتعزيز علاقات القوة الاجتماعية، والأيديولوجيات، والهويات الجماعية. وتُعد النماذج الذهنية محورية في إطار(2014) Van Djik، إذ تمثّل المعتقدات والمواقف المشتركة اجتماعيًا والتي تؤثر في كلٍّ من إنتاج الخطاب وتفسيره.  تُعد الثنائيات التقابلية، ولا سيما ثنائية» نحن مقابل هم»، محورية في تحليل Van Djik، إذ تُبسّط الحقائق الاجتماعية المعقدة إلى فئات متقابلة تعمل على تعزيز الهويات الجماعية وترسيخ الانقسامات الأيديولوجية. وعلاوة على ذلك، غالبًا ما تكون هذه الثنائيات متجذرة في الاختيارات المعجمية، والاستعارات، والهياكل النحوية، مثل استخدام مصطلحات متقابلة مثل «مقاتلو الحرية» مقابل «الإرهابيون»، والتي تُسهم في استقطاب المجموعات.

في هذه الدراسة، يُطبّق المنهج الاجتماعي–المعرفي ل Van Djik مع التركيز على الثنائيات التقابلية لتحليل خطاب نتنياهو أمام الأمم المتحدة لعام 2024. يركز هذا التحليل على كيفية استخدام الاختيارات المعجمية والاستعارات في خلق ديناميات بين الجماعات المنتمية والمعارضة ، بما يعزز المواقف الأيديولوجية. ومن خلال دراسة هذه الاستراتيجيات الخطابية، تهدف الدراسة إلى الكشف عن الكيفية التي يبني بها الخطاب معانٍ أيديولوجية تُسهم في تشكيل التصورات الاجتماعية والسياسية في سياق دولي.

تحليل البيانات

تهدف هذه الفقرة إلى تحليل خطاب رئيس الوزراء نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، مع التركيز على الموضوع المركزي المتمثل في إقامة ثنائية «نحن مقابل هم». يستكشف التحليل اختيارات نتنياهو المعجمية، والاستعارات، وتداعيات هذه العناصر ضمن خطابه. وبشكل محدد، يعالج الباحث موضوعًا رئيسيًا يدعم استراتيجيته الخطابية: تأطير إسرائيل والولايات المتحدة بشكل إيجابي بوصفهما «الجماعة الداخلية»، في حين يتم تصوير الفلسطينيين وحركة حماس وحزب الله وإيران بوصفهم «الجماعة الخارجية». ويساعد هذا التأطير نتنياهو في محاولة تبرير فظائع الإبادة وظروف معيشة الفلسطينيين، بالإضافة إلى خلق أساس قانوني لدعم الحرب والاحتلال الإسرائيلي.

تعمل اختيارات نتنياهو البلاغية، بما في ذلك اللغة الخاصة، والأجهزة الأسلوبية، والتأطير الاستراتيجي، على تعزيز السرديات السياسية، واستهداف الجماهير المحددة، وإضفاء المصداقية على السياسات المثيرة للجدل. ومن خلال التركيز على الموضوع المهيمن «نحن مقابل هم»، يمكن تقييم الكيفية التي يُعزّز بها خطاب نتنياهو هذه الثنائية. غالبًا ما يستخدم نتنياهو ضمائر مثل «نحن» و«لنا» عند الحديث عن إسرائيل وشعبها وحلفائها، ما يُكوّن هوية الجماعة الداخلية لإسرائيل ومن يدعمها. وعلى النقيض من ذلك، تُشير كلمات مثل «هم» و«لهم» إلى الخصوم، لا سيما عند الإشارة إلى كيانات تُعتبر تهديدات، مثل حماس وحزب الله أو الدول المعارضة لأفعال إسرائيل.

بناء ثنائية «نحن مقابل هم»

باستخدام البلاغة الثنائية، يميل نتنياهو إلى تقديم إسرائيل وحلفائها بوصفهم حماة للديمقراطية والسلام، في حين تُصوَّر دول مثل إيران–وأحيانًا السلطات الفلسطينية أو جماعات مثل حماس–كتهديدات. ويُركّز هذا النهج على سردية صراع «حضاري»، تُؤطّر الشرق الأوسط وفقًا لتحالفات وخصومات، بما يتوافق مع الرؤى الأيديولوجية الغربية.

تستند نظرية الثنائيات التقابلية، المرتبطة غالبًا بالبنائية، إلى دراسة كيفية تكوين المفاهيم والهويات من خلال التباين أو «التقابل». وتُعد هذه النظرية مناسبة بشكل كبير لتحليل خطاب نتنياهو، إذ يقوم بوضوح بتحديد حدود بين طرفين متقابلين. وتظهر ثنائية «نحن مقابل هم» بشكل قوي، لا سيما بين إسرائيل (وحلفائها) وإيران ووكلائها، حيث تمثل إسرائيل الحضارة والسلام والديمقراطية، بينما تُصوَّر إيران وجماعات مثل حماس وحزب الله على أنها تجسّد الإرهاب والطغيان والعنف.

التشكيل المعجمي (Lexicalization)

فيما يلي تحليل لأهم الثنائيات الموجودة في خطاب نتنياهو من خلال اختياراته المعجمية:

السلام مقابل الإرهاب 

يقدّم نتنياهو إسرائيل كدولة مسالمة تسعى لحماية الحضارة والحفاظ على القيم الديمقراطية. ويتحدث عن الجهود المستمرة لإحلال السلام، لا سيما من خلال الشراكات في الشرق الأوسط، مثل اتفاقيات أبراهام وإمكانية التطبيع مع السعودية. ومن خلال عبارات مثل «الساعية للسلام» أو «الديمقراطية المستقرة»، يعزز نتنياهو موقع إسرائيل كفاعل إيجابي يستحق الدعم الدولي، خصوصًا من الغرب.

ويصوّر نتنياهو إسرائيل وحلفاءها كرموز للسلام والحضارة والصلاح الأخلاقي. وتستخدم كلمات مثل «السلام»، «الازدهار»، «الأمل»، و«البركة» لوصف رؤية إسرائيل وعلاقاتها. ويقابل هذا المعجم مصطلحات تصف إيران وجماعات مثل حماس وحزب الله بـ «الهمجية»، «الإرهابيون»، «القتلة»، و«الوحوش»، مما يضخّم الحكم الأخلاقي ضدهم.

يُبرز نتنياهو استعداد إسرائيل للسعي نحو السلام لكسب الدعم والتعاطف الدولي. وتُصور هذه الصياغة إسرائيل بشكل إيجابي كطرف يسعى للسلام، بينما تُفقد الفلسطينيين الشرعية من خلال التلميح إلى أنهم يفتقرون إلى النية للعمل نحو اتفاقية سلام.

ويؤطر نتنياهو أفعال إسرائيل بشكل أخلاقي مبرّر، غالبًا ما يصوّر إسرائيل كضحية أو كحامية للقيم الديمقراطية. ويمكن لهذه الثنائية–إسرائيل بوصفها الفاعل الصالح، والمعارضون بوصفهم أدنى أخلاقيًا–أن تُولّد شعورًا بالشرعية لأفعال إسرائيل.

الاستعارات والحضارة مقابل الهمجية

في المقابل، تُصوَّر حماس وقواتها الحليفة على أنهم ناشرو العنف بلا هوادة، حاملين «لعنة الإرهاب» إلى المنطقة. ويعزز استخدام اللغة التصويرية، مثل «أعداء همجيون» و«وحوش قاتلة»، فكرة عدو لا يُهدد إسرائيل فقط، بل يشكّل تهديدًا عالميًا.

الحضارة مقابل الهمجية

في خطاب نتنياهو، توصف إسرائيل بلغة تعبّر عن الحداثة والتقدّم، مثل «الازدهار»، «المستقبل»، و«التعاون». أما الأعداء، فيُشار إليهم غالبًا بمصطلحات مثل «همجي»، «عصر الظلام»، و«الإرهاب». ويستحضر وصف نتنياهو لأفعال حماس في 7 أكتوبر–مثل «إحراق الأطفال أحياء» و«القتل الوحشي» –رعبًا عاطفيًا شديدًا. ويظهر استخدام هذه اللغة الثنائية بوضوح في الخطاب، حيث يتم التركيز على الضحايا والدمار الذي تواجهه الجماعة الداخلية، بينما يتم التقليل من معاناة الجماعات الخارجية.

يقدّم خطاب نتنياهو إسرائيل كجزء من «حضارة مشتركة» تقدر حقوق الإنسان، والقانون، والازدهار. وتُعرض إسرائيل كبوصلة لهذه القيم في بيئة معادية، مدافعة عن المبادئ الأخلاقية والسلوك الحضاري. وغالبًا ما يصوّر نتنياهو الاستيطان الإسرائيلي الاستعماري من منظور أمني بدلاً من النظر إليه من زاوية السيادة أو حقوق الإنسان. ويمكن أن يخدم هذا التأطير في تبرير السياسات المثيرة للجدل، مثل الإبادة الجماعية، والفظائع، والمستوطنات، أو العمليات العسكرية، بوصفها تدابير دفاعية ضرورية، وليس انتهاكات للقانون الدولي. ومن خلال التركيز على «الأمن»، يُؤطّر نتنياهو سياسات إسرائيل كردود فعل ضرورية ضد «التهديدات الإرهابية» من الجماعات الفلسطينية. وتعمل هذه اللغة على التقليل من الأبعاد الاجتماعية والسياسية الأوسع للصراع، وقد تُهمّش المطالب الفلسطينية بالدولة أو الحقوق. وتُبرز مصطلحات مثل «الأمن» و«الدفاع» أفعال إسرائيل على أنها رد مشروع بدلاً من موقف عدواني.

في حين ترتبط إيران وجماعات مثل حماس وحزب الله بـ «الهمجية»، حيث يصف نتنياهو أفعالهم مثل الخطف، والقطع، وحرق المدنيين أحياء. ويشير إلى أن سلوكهم «يذكّر بالهولوكوست النازي»، وهي استعارة تعزز الصورة الهمجية لـ «هم» في مواجهة القيم الإنسانية لإسرائيل. وتُصوَّر إيران وحماس كقوة طاغية ومتخلّفة تهدف إلى إعادة المنطقة إلى «عصر الظلام» من القمع والاضطهاد.

الخير مقابل الشر

من خلال تصوير إسرائيل كحامية لمواطنيها وللقيم الديمقراطية الأوسع، يؤطّر نتنياهو صراع إسرائيل على أنه خير وعدالة بحد ذاته. وتعمل عبارات مثل «نحن ندافع عن أنفسنا، لكننا ندافع أيضًا عنكم» على تقديم إسرائيل كقوة حماية ضد التهديدات المشتركة. ويصوّر نتنياهو إسرائيل وحلفاءها كرموز للسلام، والحضارة، والصلاح الأخلاقي. وتُستخدم كلمات مثل «السلام»، «الازدهار»، «الأمل»، و«البركة» لوصف رؤية إسرائيل وعلاقاتها. ويقابل هذا المعجم مصطلحات تصف إيران وجماعات مثل حماس وحزب الله بـ «همجيون»، «إرهابيون»، «قتلة»، و«وحوش»، مما يُكثّف الحكم الأخلاقي ضدهم. على سبيل المثال، يتحدث نتنياهو عن أفعال إسرائيل باعتبارها دفاعًا عن «حضارتنا المشتركة»، مؤطّرًا الصراع على أنه ليس من أجل بقاء إسرائيل فحسب، بل من أجل قضية أخلاقية أكبر. وبالتالي، يُعدّ تبرير الإبادة الجماعية والفظائع والأفعال الإسرائيلية في غزة والشرق الأوسط الهدف النهائي لخطابه.

وتُصوَّر إيران ووكلاؤها على أنهم تجسيد للشر، يسعون إلى «تدمير أسلوب حياتنا» عبر التطرف العنيف. ويجادل نتنياهو بأن الأمم المتحدة ومحكمة الجنايات الدولية تُظهران «ارتباكًا أخلاقيًا» لفشلهما في التمييز بين الطرفين، لا سيما عند انتقادهما لأفعال إسرائيل ضد الإرهاب. ويُعزز هذا الخطاب الثنائية مرة أخرى، مؤكدًا أن إسرائيل على جانب «الخير» في التاريخ.

يكشف التحليل النقدي للخطاب لخطاب بنيامين نتنياهو عن استراتيجية تهدف إلى حماية إسرائيل من الاتهامات بارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة، من خلال تأطير الجرائم الإسرائيلية على أنها «دفاع». وفي الوقت نفسه، يبرّر انتهاكات حقوق الإنسان مع التأكيد على موضوعات السلام، والأمن، وحقوق الإنسان. ويحاول نتنياهو بناء علاقة مع جمهوره من خلال لغة شاملة مثل «نحن» و«لنا»، في إشارة إلى أن التهديدات لأمن إسرائيل تُعرّض أيضًا السلام العالمي للخطر. ويُؤطّر نتنياهو أفعال إسرائيل على أنها ردود دفاعية على أفعال الفلسطينيين، مع التركيز على الأضرار والخسائر التي لحقت بالمواطنين الإسرائيليين بسبب سلوك الفلسطينيين.

ويظهر تصوير نتنياهو جانبًا واحدًا من القصة: فهو يحمل حماس مسؤولية العنف ضد الإسرائيليين بشكل دائم، بينما يقلّل من مسؤولية إسرائيل عن مثل هذه الأفعال. ويبرز مفهوم «الآخر» بشكل واضح، مسلطًا الضوء على تهميش الفلسطينيين طوال الخطاب.

الاستعارات 

يستعمل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في خطابه أمام الأمم المتحدة عام 2024 العديد من الاستعارات، مؤطّرًا الصراع الحالي لإسرائيل بمصطلحات أخلاقية واضحة وشديدة التأثير. وفيما يلي بعض الاستخدامات الرئيسية للاستعارة وتداعياتها:

«ﻟﻌﻨﺔﻟﺴﺎﺑﻊ ﻣﻦ ﻛﺘﻮﺑﺮ » ﻣﻘﺎﺑﻞ «ﺑﺮﻛﺔ ﻟﺴﻼم»

يقارن نتنياهو بين «لعنة» مرتبطة بهجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر و«بركة» السلام المحتملة، لا سيما من خلال التطبيع مع الدول العربية. وترتبط هذه الاستعارة باللغات التوراتية، مستحضرة صراعًا أخلاقيًا أبديًا بين الخير والشر.

«ﺧﺮﻳﻄﺔ اﻟﻠﻌﻨﺔ، ﻗﻮس اﻟﺮﻋﺐ» ﻣﻘﺎﺑﻞ «ﺧﺮﻳﻄﺔ اﻟﻨﻌﻤﺔ»

تعمل مصطلحات «خريطة اللعنة» و«خريطة البركة» كاستعارات قوية في خطاب نتنياهو. فهذه الخرائط محملة بدلالات تربط المناطق والتحالفات والسياسات بالقيم الأخلاقية الإيجابية أو السلبية. ومن المرجح أن «خريطة اللعنة» تُظهر التحالفات والمواقع المرتبطة بإيران وحلفائها، مما يرمز إلى الفوضى والخطر وعدم الاستقرار. وعلى العكس، فإن «خريطة البركة» تسلط الضوء على الدول المتحالفة مع إسرائيل أو المستعدة للتعاون معها، ممثلةً الأمن والسلام والازدهار. ومن خلال المقارنة بين «خريطة البركة» (جسر بري يربط إسرائيل وحلفاءها العرب) و«قوس الإرهاب» الذي تخلقه حماس والنفوذ الإيراني، يؤطّر نتنياهو التحالفات الجيوسياسية بمصطلحات رمزية عالية التأثير. وتقدّم هذه المقارنة، الموضحة من خلال الخرائط التي يصفها، خيارًا بين طريق السلام والتعاون أو طريق «الظلام» والحرب وعدم الاستقرار.

ﺣﻤﺎس وﺣﺰب اﻟﻠﻪ ﺑﻮﺻﻔﻬﻤﺎ «ﺟﻴﺸﺎ ارﻫﺎﺑﻴﺎ» و«ﻟﻌﻨﺔ»

تعزز اللغة المستخدمة لوصف هذه الجماعات بـ «جيش إرهابي» أو «لعنة 7 أكتوبر» من شعور التهديد، محوّلة إياهم إلى خصوم شبه أسطوريين يهددون ليس إسرائيل فحسب، بل «الحضارة» نفسها. ويؤطّر هذا التصوير صراع إسرائيل كدفاع عن القيم العالمية، وليس مجرد مصالح وطنية.

«ﻗﻮس اﻟﻈﻼم»  و«ﺑﻴﺖ اﻟﻈﻼم» (اﻷﻣﻢ اﻟﻤﺘﺤﺪة) 

يشير نتنياهو إلى الأمم المتحدة بوصفها «بيت الظلام» مليئًا بـ «السم المعادي للسامية» والمعايير المزدوجة ضد إسرائيل. وتُصوّر هذه الاستعارة الأمم المتحدة كمؤسسة فاسدة أخلاقيًا، ومكانًا يشيطن إسرائيل بشكل غير عادل، في حين تُقدَّم إسرائيل كمنارة للنور والحقيقة على عكس الانحياز المؤسسي الذي يراه هناك.

نحو نهاية خطابه، يستخدم نتنياهو مصطلحات مثل «مشعل إسرائيل» و«أبدية إسرائيل» لتأكيد صمود إسرائيل وحضورها الثابت في التاريخ. ويستشهد بالكتاب المقدس ليبرز أزلية وضرورة وجود إسرائيل وبقائها، موضحًا أن وجودها يشبه المشعل الذي سيظل دائمًا مشرقًا. وتعزز هذه الصورة الرمزية رسالته بأن صراع إسرائيل جزء من سردية أبدية أكبر.

علاوة على ذلك، يقارن نتنياهو فكرة إدماج حماس في غزة بعد الحرب بـ «سماح هزيمة النازيين عام 1945 بإعادة بناء ألمانيا» وتضع هذه الاستعارة حماس كقوة شر لا يمكن إصلاحها، مستندةً إلى موازيات تاريخية تستثير العاطفة، لا سيما في سياق التاريخ اليهودي.

«اﻟﺬراع اﻟﻄﻮﻳﻠﺔ ﻹﺳﺮائيل» 

تُستخدم استعارة «الذراع الطويل لإسرائيل» لتوضيح مدى قدرات إسرائيل العسكرية والاستخباراتية. وتشير هذه العبارة إلى قدرة واسعة النطاق على الضرب، بالإضافة إلى يقظة إسرائيل والتزامها بالدفاع الاستباقي عبر المنطقة. وتخلق فكرة «أنه لا مكان في إيران أو في الشرق الأوسط بأكمله» خارج نطاق إسرائيل صورة للحضور الكلي والردع. وتشير إلى أن القوة العسكرية لإسرائيل شاملة جسديًا ورمزيًا، تهدف إلى احتواء التهديدات المتصورة أينما نشأت. وتُسهم هذه الاستعارة في تعزيز هيكلية «نحن مقابل هم»، حيث تُصوّر إسرائيل كحارس يقظ مستعد لحماية نفسه وحلفائه من القوى «الخبيثة».

من خلال استخدام هذه الاستعارات الحية، لا يزيد نتنياهو فقط من التأثير العاطفي لخطابه، بل يُعيد أيضًا تأطير صراعات إسرائيل على أنها معركة نموذجية بين النور والظلام، البركة واللعنة، الحضارة والهمجية. ويسعى هذا النهج إلى تعميم السردية الإسرائيلية، ووضعها ضمن إطار يتناغم بعمق مع قيم ووعي جمهوره التاريخي. كما يسعى من خلاله إلى تبرير وإضفاء الشرعية على جرائم الحرب الإسرائيلية في غزة.

المناقشة

يستعمل خطاب نتنياهو أمام الأمم المتحدة عام 2024 سردًا ثنائيًا يصوّر إسرائيل كقوة أخلاقية ومُتقدمة، في حين يُقدَّم الخصوم مثل إيران وحماس وحزب الله كرموز للهمجية والإرهاب. ويُعدّ هذا النهج، الذي يُستخدم كثيرًا في الخطاب السياسي، متوافقًا مع استراتيجيات وصفها (2014) Van Djik، حيث يقوم الفاعلون الأقوياء ببناء سرديات تُقدّم أفعالهم على أنها حماية وضرورية، وبالتالي تُضفي الشرعية على السياسات المثيرة للجدل تحت ستار الأمن. يتوافق استخدام نتنياهو لمصطلحات مثل«البركة» و«اللعنة» مع القيم العالمية مثل السلام والديمقراطية، وهي تكتيك يشبه ما يسميه (2010) Fairclough « الأسطورة اللغوية » (mythopoesis)، أي استخدام اللغة الأسطورية لتثبيت الموقف الأخلاقي الأعلى، مع استهداف الجمهور الغربي من خلال استحضار القيم الديمقراطية المشتركة. علاوة على ذلك، يتوافق تأطير نتنياهو مع الأبحاث المتعلقة ببناء الهويات المعارضة في الخطاب السياسي (Wodak 2015)، حيث يساهم تصوير المجموعة المعارضة بشكل سلبي في تعزيز السلطة الأخلاقية للمتحدث. ومن خلال تصوير الجماعات الفلسطينية كـ « وحوش إرهابية»، لا يبرّر نتنياهو فقط الإجراءات الدفاعية لإسرائيل، بل يهمّش أيضًا المطالب الفلسطينية. ويُعزز هذا النهج ما لاحظته  (2015) Wodak، حيث إن تصوير الخصوم على أنهم تهديدات وجودية يقوّي سردية المتحدث حول الصلاح الأخلاقي، ويهدف إلى تقليل تقبّل الجمهور للحياد أو المعارضة.

وبالمقارنة، يشبه استخدام نتنياهو للاستعارات واللغة التوراتية، مثل «اللعنة » و«البركة»، ما وصفه (2003) Chilton بـ « الاستقطاب الأخلاقي» .(moral polarization) ففي هذا الإطار، يُقدّم الصراع كصراع بين الخير والشر، ما يُبسّط النزاعات المعقدة إلى ثنائيات مشحونة بالأبعاد الأخلاقية. ورغم فعالية هذه اللغة الاستقطابية في كسب الدعم، فقد وُجهت إليها انتقادات لأنها تُهمش الخطاب المتوازن وتعيق جهود السلام من خلال تبسيط الواقع السياسي المعقد. وقد يتوافق الطابع الإقصائي لبلاغة نتنياهو مع جمهوره المباشر، لكنه يتفق مع نتائج الدراسات التي تشير إلى أن هذه الاستراتيجيات غالبًا ما تعزز الانقسامات العميقة وتقلّل فرص الحلول الدبلوماسية (Wodak and Krzyżanowski 2017).

باختصار، يستخدم خطاب نتنياهو الثنائيات التقابلية ليس فقط لتبرير أفعال إسرائيل، بل أيضًا لتقديم الحياد بوصفه موقفًا أخلاقيًا غير مقبول. ويعكس ذلك موضوعات شائعة في دراسات التحليل النقدي للخطاب، التي ترى أن تأطير النزاعات باعتبارها صراعات وجودية يُبسّط السردية ويترك مجالًا ضيقًا للتفاعل المتوازن. ونتيجة لذلك، بينما قد ينجح نهج نتنياهو في حشد الدعم الفوري، فإنه يخاطر بإضعاف جهود السلام طويلة المدى من خلال استقطاب وجهات النظر وتصعيد العداء–وهو ما يتوافق مع استنتاجات عدة دراسات أكاديمية تؤكد على مخاطر هذه الثنائية في تسوية الصراعات.

الخاتمة

أظهرت هذه الدراسة كيف يستخدم خطاب رئيس الوزراء نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2024 استراتيجيات بلاغية لإنشاء إطار «نحن مقابل هم». ومن خلال الاختيارات المعجمية، والاستعارات، والثنائيات التقابلية، يصوّر نتنياهو إسرائيل كمدافعة عن السلام والديمقراطية والحضارة. وبالمقابل الواضح، يُقدّم الخصوم على أنهم تهديدات لاستقرار العالم. ويخدم استخدامه الاستراتيجي للغة في إضفاء الشرعية على أفعال وسياسات إسرائيل، بينما يُهمّش في الوقت ذاته وجهات النظر وحقوق الفلسطينيين. وتعكس هذه الثنائية التصويرية ارتباط إسرائيل بالقيم الإيجابية العالمية وخصومها بالصفات الأخلاقية السلبية، مما يخلق ثنائية تُبسّط الواقع السياسي المعقد لجمهوره.

تكشف دراسة خطاب نتنياهو أمام الأمم المتحدة عام 2024 كيف يتكيف الخطاب السياسي للحفاظ على الشرعية، حتى في مواجهة انتهاكات جسيمة للقانون الدولي ووثائق واسعة حول سقوط ضحايا مدنيين. ويظهر التحليل تطورًا متقنًا في التواصل أثناء الأزمات واستراتيجيات إضفاء الشرعية، مما يحمل دلالات كبيرة لفهمنا للخطاب السياسي في السياقات الدولية المعاصرة. ويؤكد التحليل النقدي للخطاب (CDA) لخطاب نتنياهو كيف يمكن للغة تشكيل الرأي الدولي بشأن الاحتلال العسكري الإسرائيلي وتبرير السياسات المثيرة للجدل، مما يوضح التأثير العميق للبلاغة في الخطاب المتعلق بالصراعات العالمية.

وأخيرًا، توضح هذه الدراسة كيف تطور الخطاب السياسي للحفاظ على الشرعية حتى في سياقات الانتهاكات الموثقة للقانون الدولي. ورغم أن ذلك يكشف عن تعقيد التواصل السياسي المعاصر، إلا أنه يطرح أيضًا تساؤلات جوهرية حول المساءلة في العلاقات الدولية. وكما يشير كل من Wodak و (2017) Krzyżanowski، فإن قدرة الخطاب السياسي على مقاومة التحديات الواقعية قد تتطلب تبني أساليب جديدة لضمان المساءلة في السياقات الدولية.

المراجع

Alali, Mohamad. 2024. Starvation as a Method of Warfare: A Qualitative Study on the Use of Starvation in the Case of Gaza. Master’s thesis, Utrecht University.

Alashqar, Mohammed R.A. 2024. The Role of Language in Framing the Israeli-Palestinian Conflict on Twitter: The Escalation of Violence in Gaza in May 2021 as a Case Study. Doctoral dissertation, Ghent University.

Al-Bla’awi, Fat’hi Bashir. 2023. « The Role of Women in the Palestinian Society under the British Occupation (1917–1948). » Al-Mubadara 2. https://doi.org/10.61312/tpxrhx85

Al-Khawaldeh, Nisreen, Rababah, Luqman M. & Khawaldeh, Sami 2024. « The Ideology of Tolerance in King Abdullah’s Speeches: A Critical Discourse Analysis Study. » International Journal of Arabic-English Studies 24 (2): 17–34.

Amoussou, Franck, Allagbe & Ayodele Adebayo. 2018. « Principles, Theories and Approaches to Critical Discourse Analysis. » International Journal on Studies in English Language and Literature 6 (1): 11–18. https://doi.org/10.20431/2347-3134.0601002

Amrani, Djalel Eddine, Mokadem, Anfal & Mohamdi, Imane. 2024. « Critical Discourse Analysis of Al Jazeera and BBC Discourse towards Hamas’s Attack on October 7, 2023. » Université Kasdi Merbah-Ouargla. https://dspace.univ-ouargla.dz/jspui/handle/123456789/36892

Bianchi, Andrea. 2015. International Law Theories: An Inquiry into Different Ways of Thinking. Oxford: Oxford University Press.

Charteris-Black, Jonathan. 2011. Politicians and Rhetoric: The Persuasive Power of Metaphor. 2nd ed. London: Palgrave Macmillan.

Charteris-Black, Jonathan. 2014. Analyzing Political Speeches: Rhetoric, Discourse and Metaphor. London: Palgrave Macmillan.

Chilton, Paul. 2003. Analyzing Political Discourse: Theory and Practice. London & New York: Routledge. https://doi.org/10.4324/9780203561218

Creswell, John W. & Creswell, J. David. 2018. Research Design: Qualitative, Quantitative, and Mixed Methods Approaches. 5th ed. Los Angeles-London-New Delhi-Singapore: SAGE publications.

Denzin, Norman K. & Lincoln, Yvonna S. 2018. The SAGE Handbook of Qualitative Research. 5th ed. Los Angeles-London-New Delhi-Singapore: SAGE publications.

Fairclough, Norman. 2010. Critical Discourse Analysis: The Critical Study of Language. 2nd ed. London: Routledge. https://doi.org/10.4324/9781315834368

Jamel, Heevi Khaled, Abdi, Marwan & Basheer, Khalid Ilias. 2024. « Critical Discourse Analysis of Trump’s Tweets on the COVID-19 Pandemic. » Ascarya: Journal of Islamic Science, Culture, and Social Studies 4 (1): 21–32.

Khatib, Rasha, McKee Martin  & Yusuf Salim. 2024. « Counting the Dead in Gaza: Difficult but Essential. » The Lancet 404 (10449): 237–38.

Miles, Matthew B., Huberman, A. Michael & Saldaña, Johnny 2020. Qualitative Data Analysis: A Methods Sourcebook. 4th ed. Los Angeles-London-New Delhi-Singapore: SAGE publications.

Nawaz, Muhammad Haseeb, Ikhtiar, Anam, Raza, Abbas Muhammad & Nouman, Muhammad. 2024. « Critical Discourse Analysis of Political Speeches in Pakistan: Power, Ideology, and Language Manipulation. »  In Tsekhmister Yaroslav & Prokopenko Olha (eds). Vol. 1: World conference on future innovations and sustainable solutions, Futurity Research Publishing. https://doi.org/10.5281/zenodo.13772472

Said, Edward W. 1978. Orientalism. New York: Vintage Books.

Tracy, Sarah J. 2020. Qualitative Research Methods: Collecting Evidence, Crafting Analysis, Communicating Impact. 2nd ed. Hoboken: Wiley-Blackwell.

van Dijk, Teun A. 2014. Discourse and Knowledge: A Sociocognitive Approach. Cambridge: Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/CBO9781107775404

van Dijk, Teun A. 2015. « Critical Discourse Analysis. » In The Handbook of Discourse Analysis, edited by Deborah Schiffrin, Heidi E. Hamilton, and Deborah Tannen, 466–85. 2nd ed. Hoboken: Wiley-Blackwell. https://doi.org/10.1002/9781118584194.ch22

van Leeuwen, Theo. 2008. Discourse and Practice: New Tools for Critical Discourse Analysis. Oxford: Oxford University Press. https://doi.org/10.1093/acprof:oso/9780195323306.001.0001

Wodak, Ruth. 2015. The Politics of Fear: What Right-Wing Populist Discourses Mean. Los Angeles-London-New Delhi-Singapore: SAGE publications. https://doi.org/10.4135/9781446270073

Wodak, Ruth & Krzyżanowski, Michał. 2017. « Right-Wing Populism in Europe & USA: Contesting Politics & Discourse Beyond ‘Orbanism’ and ‘Trumpism’. » Journal of Language and Politics 16 (4): 471–84. https://doi.org/10.1075/jlp.17042.krz

Wodak, Ruth & Meyer, Michael. 2015. Methods of Critical Discourse Studies. 3rd ed. Los Angeles-London-New Delhi-Singapore: SAGE publications.

Walsh, Declan & Abu Elouf, Samar. 2024. « Portraits of Gazans. » New York Times, February 4. https://www.nytimes.com/2024/02/04/world/middleeast/gaza-photos-israel-war.html

المصادر الأولية 

Albanese, Francesca. 2024. Report of the Special Rapporteur on the Situation of Human Rights in the Palestinian Territories Occupied Since 1967. United Nations Human Rights Council.

International Court of Justice. 2024. Application of the Convention on the Prevention and Punishment of the Crime of Genocide in the Gaza Strip (South Africa v. Israel), Order on Provisional Measures.

Netanyahu, Benjamin. 2024. « Speech at the UN General Assembly. » Official Facebook of the Prime Minister of Israel, September 27.

United Nations Human Rights Office. 2024. Report on Civilian Casualties and Infrastructure Damage in the Gaza Strip, October 2023–August 2024.

World Health Organization. 2024. Assessment of Health Facilities and Healthcare Access in the Gaza Strip, August 2024 Report.

N.B. Ce texte a été traduit de l’anglais par Hadjira Medane et révisé par Ibrahim M. Alsemeiri.

 

Licence

Symbole de License Creative Commons Attribution - Partage dans les mêmes conditions 4.0 International

Gaza, les mots pour (ne pas) le dire Droit d'auteur © 2026 par Hadjira Medane et Marie-Anne Paveau est sous licence License Creative Commons Attribution - Partage dans les mêmes conditions 4.0 International, sauf indication contraire.